ابن كثير
292
البداية والنهاية
ودكاكين ، وذهب للناس شئ كثير من الأمتعة والنحاس والبضائع وغير ذلك ، مما يقاوم ألف ألف وأكثر خارجا عن الأموال ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد ذكر كثير من الناس أنه كان في هذه القياسير شر كثير من الفسق والربا والزغل وغير ذلك . وفي السابع والعشرين من جمادى الأولى ورد الخبر بأن الفرنج لعنهم الله استحوذوا على مدينة صفد : قدموا في سبعة مراكب وقتلوا طائفة من أهلها ونهبوا شيئا كثيرا وأسروا أيضا ، وهجموا على الناس وقت الفجر يوم الجمعة ، وقد قتل منهم المسلمون خلقا كثيرا وكسروا مركبا من مراكبهم ، وجاء الفرنج في عشية السبت قبل العصر وقدم الوالي وهو جريح مثقل ، وأمر نائب السلطنة عند ذلك بتجهيز الجيش إلى تلك الناحية فساروا تلك الليلة ولله الحمد ، وتقدمهم حاجب الحجاب وتحدر إليه نائب صفد الأمير شهاب الدين بن صبح ، فسبق الجيش الدمشقي ، ووجد الفرنج قد برزوا بما غنموا من الأمتعة والأسارى إلى جزيرة تلقاء صيدا في البحر ، وقد أسر المسلمون منهم في المعركة شيخا وشابا من أبناء أشرافهم ، وهو الذي عاقهم عن الذهاب ، فراسلهم الجيش في انفكاك الأسارى من أيديهم فبادرهم عن كل رأس بخمسمائة فأخذوا من ديوان الأسارى مبلغ ثلاثين ألفا ، ولم يبق معهم ولله الحمد أحد . واستمر الصبي من الفرنج مع المسلمين ، وأسلم ودفع إليهم شيخ الجريح ، وعطش الفرنج عطشا شديدا ، وأرادوا أن يرووا من نهر هناك فبادرهم الجيش إليه فمنعوهم أن ينالوا منه قطرة واحدة ، فرحلوا ليلة الثلاثاء منشمرين بما معهم من الغنائم ، وبعثت رؤوس جماعة من الفرنج ممن قتل في المعركة فنصبت على القلعة بدمشق ، وجاء الخبر في هذا الوقت بأن إيناس قد أحاط بها الفرنج ، وقد أخذوا الربيض ( 1 ) وهم محاصرون القلعة ، وفيها نائب البلد ، وذكروا أنهم قتلوا خلقا كثيرا من أهلها فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وذهب صاحب حلب في جيش كثيف نحوهم والله المسؤول أن يظفرهم بهم بحوله وقوته ، وشاع بين العامة أيضا أن الإسكندرية محاصرة ولم يتحقق ذلك إلى الآن ، وبالله المستعان . وفي يوم السبت رابع جمادى الآخرة قدم رؤوس من قتلى الفرنج على صيدا ، وهي بضع وثلاثون رأسا ، فنصبت على شرافات القلعة ففرح المسلمون بذلك ولله الحمد . وفي ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة وقع حريق عظيم داخل باب الصغير من مطبخ السكر الذي عند السويقة الملاصقة لمسجد الشناشين ، فاحترق المطبخ وما حوله إلى حمام أبي نصر ، واتصل بالسويقة المذكورة وما هنالك من الأماكن ، فكان قريبا أو أكثر من الحريق ظاهر باب الفرج فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وحضر نائب السلطنة ، وذلك أنه كان وقت صلاة العشاء ولكن كان الريح قويا ، وذلك بتقدير العزيز العليم . وتوفي الشيخ عز الدين محمد بن إسماعيل بن عمر الحموي أحد مشايخ الرواة في ليلة
--> ( 1 ) الربيض : الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها .